عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
236
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
وأقلّ من المطعم والمشرب وكانت الخلفاء قبله تصرف على موائدها في كل يوم عشرة آلاف درهم . فأزال ذلك وجعل لمائدته وسائر مؤنه كل يوم نحو مائة درهم . فبدا غريبا عن روح العصر وثقل حكمه الذي دام أحد عشر شهرا على الأتراك فأعملوا الحيلة عليه حتى قتلوه « 1 » . ومن الخلفاء العباسيين من كان يشرب النبيذ ولكن لا يسمحون بتناوله على موائدهم « 2 » . فقد ذكر الطبري أن بختيشوع الطبيب لما قدم على أبي جعفر المنصور من السوس ودخل عليه في قصره بباب الذهب في بغداد أمر له بطعام يتغدى به . فلما وضعت المائدة بين يديه قال : شراب . فأخبر المنصر بذلك فقال : دعوه . فلما حضر العشاء فعمل به مثل ذلك . فطلب الشراب ، فقيل له : لا يشرب على مائدة أمير المؤمنين الشراب فتعشى وشرب ماء دجلة . فلما كان من الغد نظر إلى مائه وقال : ما كنت أحسب أن شيئا يجزي من الشراب ( يغني عنه ) فهذا ماء دجلة يجزي من الشراب . وكان المتوكل يعقد في قصوره مجالس كثيرة للمنادمة والشراب . وكان يحب الشرب ومن حوله الورود والرياحين . وكان المعتز ابنه يزور الأديرة للشراب « 3 » وكان يشرب في قصوره بين ندمائه والمغنون يغنون بين يديه . كما كان يشرب في البساتين « 4 » . وكانت البساتين حول سامراء وبغداد تمتلئ بحانات الخمر والسماع ، وكان الشعراء والناس يترددون عليها ، قد يتخذون زاوية من بستان حانة لهم يشربون فيها على أزهار الرياض ، وأبصارهم تتملى بجمال الجواري وآذانهم تتمتع بالسماع ، وكثيرا ما يصور الشعراء هذا الاستمتاع بجمال الطبيعة وجمال المرأة ، وقد سيطرت عليهم نشوة الخمر وهذا ما صوره البحتري في قوله « 5 » : اشرب على زهر الرياض يشوبه * زهر الخدود وزهرة الصهباء من قهوة تنسي الهموم وتبعث ال * شوق الذي قد ضلّ في الأحشاء
--> ( 1 ) انظر مروج الذهب : ج 4 - ص 97 . ( 2 ) انظر الخطط للمقريزي . ج 1 - ص 180 . ( 3 ) الديارات للشابشتي ص 164 وما بعدها . ( 4 ) الديارات : ص 166 وما بعدها . ( 5 ) الديوان : ج 1 - ص 6 .